أبي منصور الماتريدي

6

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال غيره من أهل التأويل « 1 » : الليل والنهار في الحقيقة ما يكشف عما استتر من الأبصار : أبصار الوجوه ، وأبصار القلوب . والظلم ما يستر ويغطي على الأبصار : أبصار الوجوه ، وأبصار القلوب ، فالظلمة تجعل كل شيء مستورا عليه ، والنور يجعل كل شيء كان مستورا عليه ظاهرا باديا ، هذا هو تفسير الظلمة والنور حقيقة . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ قيل « 2 » : يشركون مع ما بيّن لهم ما يدل على وحدانية الرب وربوبيته ، أي : جعلوا كل ما يعبدونه دون الله عديلا لله ، وأثبتوا المعادلة بينه وبين الله - تعالى - وليس لله - تعالى - عديل ، ولا نديد ، ولا شريك ، ولا ولد ، ولا صاحبة ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . وقال الحسن : بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي : يكذبون « 3 » . وقوله - تعالى - : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ أي : خلق آدم أبا البشر من طين ، فأما خلق بني آدم من ماء ؛ كقوله تعالى : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ « 4 » [ المرسلات : 20 ] أخبر الله - تعالى - أنه خلق آدم من الطين ، وخلق بني آدم - سوى عيسى عليه السلام - من النطفة ، وخلق عيسى - عليه السلام - لا من الطين ولا من الماء ؛ ليعلموا أنه قادر على إنشاء الخلق لا من شيء ، وأنه لا اختصاص للخلق بشيء ، ولا ينكرون - أيضا - إنشاء الخلق وإحياءهم وموتهم ، وذلك لأنه لا يخلو ؛ إما أن صاروا ترابا أو ماء ، أو لا ذا ولا ذا ، فإذا رأوا أنه خلق آدم من الطين ، وخلق سائر الحيوان من الماء ، وخلق عيسى - عليه السلام - لا من هذين ، كيف أنكروا إنشاء الخلق بعد الموت ، وهو لا يخلو من هذه الوجوه التي ذكرنا ؛ فيكون دليلا على منكري البعث « 5 » بعد الموت ،

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير في تفسيره ( 5 / 143 ) ( 13043 ) عن السدي قال : الظلمات ظلمة الليل ، والنور نور النهار . وذكره السيوطي في الدر المنثور ( 3 / 6 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 5 / 145 ) ( 13047 ) عن مجاهد ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 6 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ . وانظر التفسير الكبير للرازي ( 12 / 126 ) . ( 3 ) ذكره السيوطي في الدر ( 3 / 6 ) وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة بنحوه . ( 4 ) ثبت في الأصول : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [ المؤمنون : 12 ] . ( 5 ) البعث ، ويقال له : النشر ، والمعاد وهو مصدر ميمي ، مأخوذ من العود ، وأصل المعاد معود ، نقلت حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلها وهو العين ، ثم قلبت الواو ألفا لتحركها بحسب الأصل -